حجة الوداع

 

روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج لخمس ليال بقين من ذي القعدة " .

وعندما هم رسول لله صلى لله عليه وسلم بالمسير كان نحو تسعين ألفا أو أكتر من صحابته قد تجهزوا لأداء نسك الحج معه.... وهم عدا من حج معه من أهل مكة ومن الوافدين من مختلف المناطق والقبائل ، وهو يقودهم لأول مرة .. ولآخر مرة..

 وقد صحب معه كل نسائه ، وكان خروجه بجموع الحجيج من المدينة ، فيما بين الظهر والعصر من يوم السبت .. وقد وصل بهم إلى مكة في صباح الأحد الرابع من ذي الحجة وتسمى هذه الحجة ، حجة الكمال والتمام ، كما أخبرت الآية الكريمة باكتمال شرائع الإسلام وتعاليمه ، كما تسمى أيضا : حجة الإسلام وحجة البلاغ ..

أما الوداع .. فلما كان يتحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته للمسلمين بعرفة .. ينبئهم بآخر وصاياه وإرشاداته ليكونوا بحق الأمة الرائدة ذات المنهج الواضح والسيرة الحسنة ، مادامت  على سنته وتوجيهات الخالق المهيمن على كل شيء . وقد أراد لهذه الأمة الخير كل الخير إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد استخلف على المدينة أبا دجانة السعدي .. وقبل خروجه من المدينة اغتسل للإحرام غير غسله الأول ، وأحرم بالحج ، ثم قرنه بالعمرة ، وهو في منطقة سرف ، وأمر صحابته أن يحلوا بعمرة .. وساق هديه معه ، وفعل مثله الكثيرون من أشراف الناس .. ولحق علي بن أبي طالب بركب الحج في مكة بعد عودته من اليمن ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المناسك يعلم الناس واجبات الحج وسننه .. حتى انتهى إلى موقف عرفات ، فصلى بهم الظهر والعصر فصرا وجمعا .. ثم خطب فيهم خطبته الجامعة التي قال فيما صلوات الله وسلامه عليه:      " أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.
أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا – ألا هل بلغت اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.
وإن ربا الجاهلية موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وقضى الله أنه لا ربا. وإن أول ربا أبدأ به عمي العباس بن عبد المطلب.
وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
أما بعد أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحرقون من أعمالكم فاحذروه على دينكم، أيها الناس إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليوطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله. وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
أما بعد أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق. لكم أن لا يواطئن فرشهم غيركم، ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً – ألا هل بلغت....اللهم فاشهد.
أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال لأخيه إلا عن طيب نفس منه – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
فلا ترجعن بعدى كافراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه، ألا هل بلغت ... اللهم فاشهد.
أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى – ألا هل بلغت....اللهم فاشهد قالوا نعم – قال فليبلغ الشاهد الغائب.
أيها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية، ولا يجوز وصية في أكثر من ثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر. من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل. والسلام عليكم ".

كانت هذه حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحيدة التي حجها وتسمى حجة الوداع : لأنه عليه الصلاة والسلام ودع أمته فيها إذ لم يحج بعدها البتة إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى عليه الصلاة والسلام .

عــودة