الهجرة النبوية

 

   بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بعرض دعوته على حجاج القبائل العربية التي كانت تفد إلى مكة موسم الحج بعد ازدياد تعنت قريش أمام قبول الدعوة الإسلامية واستمرارها بتعذيب المسلمين . فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بالاتصال سرا ببعض القبائل لتبليغ دعوته وتوضيح أهدافه ، لكن هذه القبائل لم تأبه لهذه الدعوة المباركة ، لقوة رواسب الجاهلية فيها آنذاك .

   أما أهل يثرب فقد تميزوا عن غيرهم بمجاورتهم لليهود وهم أهل كتاب ، فكان لديهم معرفة بالرسالات السماوية ، والتي كانت تخبر بقرب ظهور نبي مرسل للناس كافة ، وقد هيأ الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لقاء رهط من أهل يثرب ، فعرض عليهم دعوته ، فشرح الله صدورهم للإسلام وأيقنوا بأنه النبي المرتقب الذي تتحدث عنه اليهود ، ورجعوا إلى ديارهم يدعون قومهم إلى الإسلام .

وفي موسم الحج من العام المقبل ، وفد على الرسول صلى الله عليه وسلم اثنا عشر رجلا من الأنصار فلقوه عند العقبة الأولى وبايعوه على التوحيد والتعفف من السرقة والزنا وقتل الأولاد والطاعة في المعروف ، وأرسل معهم مصعب بن عمير لتعليمهم القرآن الكريم ، وتفقيههم في الدين ، فأسلم على يديه عدد كبير من أهل يثرب كسعد بن معاذ وأسيد بن حضير ، وهما سيدا قومهما من بني عبد الأشهل ، ومن جراء ذلك دخلت معظم دور الأنصار في الإسلام ، وأثناء موسم الحج التالي والذي حدثت بعده الهجرة المباركة ، وصل إلى مكة عدد كبير من الأنصار ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان ، فواعدوا الرسول صلى الله عليه وسلم سرا عند العقبة وحضر الرسول صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس الذي لا يزال على الكفر في ذلك الوقت . وبايعهم الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يحميه الأنصار إذا هاجر إليهم ، وأن يبقى معهم يحارب من حاربهم ويسالم من سالمهم ، ثم طلب منهم اختيار اثني عشر رجلا منهم ليبايعوه ، ويكونون على قومهم أمراء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم : " أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل على قومي " ثم عادوا إلى ديارهم .

علمت قريش من الغد بخبر هذه البيعة ، فثارت ثائرتها واضطرب حالها وقرروا منع الرسول صلى الله عليه وسلم من الوصول إلى يثرب حتى لا يعظم أمره ، ثم يبدأ بتهديدهم ، وبدأت ملامح هذا الأمر تظهر للعيان حينما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ومن معه بمكة بالهجرة إلى يثرب فرارا بدينهم ، ولحاقا بإخوانهم المسلمين الجدد ، وظل الرسول صلى الله عليه وسلم ينتظر أمر الهجرة ولم يتخلف عـن هذه الهجرة إلا من حبس أو فتن إلا أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، ولما شاهدت قريش نجاح انتقال المسلمين من مكة إلى يثرب وتحسن أوضاعهم عقدوا مؤتمرا في دار الندوة للتفكير في القضاء على الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر إلى يثرب ، واتفقوا على أن يؤخذ من كل قبيلة  فتى قويا ويعطى كل واحد منهم سيفا بتارا لقتل محمد – صلى الله عليه وسلم – قتلة رجل واحد وبذلك يتفرق دمه بين القبائل فلا يستطيع بنو عبد مناف المطالبة بدمه قال تعالى ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) الأنفال : 30 .

وقد أوصل الله سبحانه وتعالى لنبيه الكريم خبر هذا الاجتماع ، فتوجه فورا إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال له : " يا أبا بكر ، إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة " وفرح أبو بكر رضي الله عنه لهذا الخبر وطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم الصحبة فوافق عليه الصلاة والسلام على ذلك ، وبكى أبو بكر رضي الله عنه من الفرح وقدم راحلتين لهذا السفر ، واستأجر عبد الله بن أريقط ليدلهما على الطريق وتواعدا على الخروج عند الثلث الأول من الليل ، وعاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيته وطلب من علي رضي الله عنه أن ينام في فراشه تمويها على قريش وأن يبقى بمكة يوزع على الناس ما كانوا استودعوه عند الرسول صلى الله عليه وسلم من أمانات ، ثم يلحق بهم بعد ذلك .

وبينما كفار قريش يحاصرون الدار ، خرج الرسول صلى الله عليه وسلم واخترق صفوفهم وأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذره على رؤوسهم وقد أخذ الله أبصارهم عنه فلا  يرونه وهو يتلو : ( وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) يس : 9 .

ومضى إلى بيت الصديق فخرجا من خوخة في دار أبي بكر الصديق ليلا حتى لحقا بغار ثور جنوب مكة وكمنا فيه ثلاثة أيام في الوقت الذي ألقى الله النوم على أعين المحاصرين للدار ، وفي هذه الأثناء مر عليهم رجل فسألهم عن انتظارهم فقالوا : محمدا ، قال : قبحكم الله لقد خرج وانطلق لحاجته ، وتأكدوا من الأمر صبحا حينما وجدوا عليا بدلا منه فانطلقوا مسرعين من كل جهة يبحثون عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكن محاولاتهم باءت بالفشل الذريع ، لأن عناية الله كانت تحرسهما من أذى قريش قال تعالى : ( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) التوبة : 40 .
ومضت الأيام الثلاثة وجاء الدليل بالراحلتين وقد أعدت قريش خلالها مائة ناقة لمن يأتي بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وسار الركب الميمون تحفه رعاية الله ، ومروا بخيمة أم معبد وحدثت معجزة كبيرة حينما مسح الرسول صلى الله عليه وسلم على ضرع الشاة الهزيلة فدرت وحلبت فشرب الجميع لبنا ، ثم بايع أم معبد على الإسلام وارتحل مع رفقته ، وبينما الركب مسترسلا في سيره لحق بهم سراقة بن مالك فلما اقترب منهما ، ساخت قوائم فرسه في الرمل فلم تقدر على السير ، وحاول ثلاث مرات أن يحملها على السير جهة الرسول صلى الله عليه وسلم فتأبى ، فأيقن عندئذ أنه أمام نبي مرسل فطلب من المصطفى أن يعده بشيء إن نصره ، فوعده بسواري كسرى يلبسهما ، ثم عاد سراقة إلى مكة فتظاهر بأنه لم يعثر على أحد ، بينما واصل الركب رحلته الإيمانية حتى وصل قباء في يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول سنة عشرة من البعثة وتلقاه المسلمون مبتهجين وأخذوا يكبرون الله ويشكرونه على مجيء المصطفى عليه الصلاة والسلام ، فمكث في قباء ثلاثة أيام وضع خلالها أساس أول مسجد في الإسلام ، ثم لحق بهم علي بن أبي طالب بعد أن قام بمهامه على الوجه المطلوب ، ثم تحرك الركب الميمون صوب يثرب صباح الجمعة فخرج المسلمون يستقبلونه بغبطة وسرور ، وكان كل نفر من المسلمين يتمنى أن ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم عنده ، فتسابقوا يمسكون بخطام ناقته وهو يقول لهم : " دعوها فإنها مأمورة " وبركت ناقة الرسول صلى الله عليه وسلم على قطعة أرض لبني مالك بن النجار وكان يسمى مربدا ، وهو لغلامين يتيمين هما سهل وسهيل ابنا عمرو ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الناقة ودخل بدار خالد بن يزيد ( أبو أيوب الأنصاري ) واشترى المربد من ابني عمرو وبدأ ببناء المسجد ، وسمى عليه السلام من جاء من مكة من المسلمين المهاجرين وسمى من أسلم من أهل المدينة الأنصار وأطلق على يثرب اسم مدينة الرسول ، وغير اسمها ودعاها بالمدينة وطيبة وطابة ، ونهى عن تسميتها بيثرب قال عليه السلام : " من سمى المدينة بيثرب فليستغفر الله عز وجل هي طابة وطيبة " .

 

عــودة