الجهاد ضد أعداء الإسلام
![]()
|
عاش المسلمون مضطهدين في مكة المكرمة طيلة ثلاث عشرة سنة ، وكان القرآن خلالها ، ينزل عليهم داعيا لهم بالصبر ، وضبط النفس ، والجدال الحسن ، قال تعالى ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) النحل : 125 ، ثم نسخ الله سبحانه وتعالى هذا جميعه بعد الهجرة إلى المدينة حينما نزلت آية الإذن بالقتال ، قال تعالى ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ) الحج : 39 . ولما كان المهاجرون ، أصحاب القضية الأولى ، حين قامت قريش بتعذيبهم والتنكيل بهم والنيل منهم ، وطردهم من بلادهم وسلب أموالهم وأملاكهم ، هاجروا إلى المدينة فرارا بدينهم ، ونصرة لله ورسوله ، فوجدوا الأنصار عيونا متفتحة وأذانا مصغية وقلوبا واعية ، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى بثاقب نظرة بعد الإذن بالقتال والحث عليه ، أن يحيي في نفوس المهاجرين قتال المشركين معتمدا عليهم أول الأمر ولاسيما أن عقد البيعة ( بيعة العقبة الثانية ) مع الأنصار كان ينص على حماية الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه داخل المدينة النبوية ، أما خارجها فليس لهم حماية ولا دفاع عنهم ، لقد كانت النصوص القرآنية تدعو للثأر من قريش التي عاثت في الأرض فسادا ونكلت بالمسلمين ، قال تعالى (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ ) البقرة : 190-191 . ونظرا لموقع المدينة النبوية الاستراتيجي على طريق التجارة الشامي ، واستمرار مرور القوافل القرشية عليه ، فقد تجلت حنكة رسول الله صلى الله عليه وسلم العسكرية ، بتهديد تجارة قريش ، وذلك من خلال إرسال السرايا والخروج للغزوات لإضعاف قريش اقتصاديا ، مما سيكون له بالغ الأثر على مستقبلها على جميع الأصعدة ، وهذا ما تحقق بالفعل ، حيث عقد عليه الصلاة والسلام المحالفات والموادعات مع القبائل التي تسكن المنطقة ، لضمان حيادها أو تعاونها مع المسلمين إذا نشب قتال بين المسلمين وقريش . وامتثالا لأمر الله سبحانه وتعالى انطلقت ركائب المهاجرين الصابرين تزخر قلوبهم بالإيمان والعزة ، رافضة حياة العيش الهانئ وتأبى إلا أن تعيش شامخة الرؤوس بكل فخر واعتزاز بدينها الإسلامي العظيم ، فخرجت للسرايا نخبة من الصحابة بعد ثمانية أشهر من مقامهم في المدينة ثم تبعتها الغزوات بقيادة النبي صلى الله على وسلم ، وحددت مسارها على مسرح العمليات في غرب المدينة باستثناء سرية عبد الله بن جحش الاستطلاعية التي أرسلت إلى نخلة بين مكة والطائف . وبعد أن حققت هده السرايا و الغزوات أهدافها جاءت غزوة بدر الكبرى والتي شارك فيها الأنصار جنبا إلى جنب مع المهاجرين بقيادة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتحقق فيها النصر المؤزر للمسلمين بعد أن تكبدت قريش الخسائر المادية والمعنوية ، وفقدت مكانتها الإستراتيجية بين العرب ، وتتابعت السرايا والغزوات بعد ذلك ، وقد كان اليهود خلالها قد نقضوا بنود المعاهدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم فتصدى لهم في غزواته المشهورة معهم ( بنو قينقاع ، بنو النضير ، بنو قريظة ، يهود خيبر ) وقد استفاد المسلمون من صلح الحديبية مع قريش والذي كان فتحا مبينا ، حيث استطاع الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال بنود الصلح بين الطرفين والذي جاءت بنوده فيما بعد لصالح المسلمين – قام الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بإرسال الرسل لدعوة الملوك والأمراء للإسلام داخل وخارج جزيرة العرب – حتى داء يوم الفتح العظيم ( فتح مكة المكرمة في السنة الثامنة للهجرة ) وقيام المسلمين بتحطيم الأصنام بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم داخل الكعبة المشرفة وخارجها وهو يتلو قوله تعالى ( وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) الإسراء : 81 . ثم جاءت بعد ذلك العام وفود القبائل العربية معلنة دخولها في الإسلام قال تعالى ( إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ) سورة النصر ، وبذلك دانت جزيرة العرب من أقصاها إلى أقصاها للدولة الإسلامية بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم معلنة التوحيد ونابذة الكفر ، فعم الأمن وساد الرخاء قال تعالى ( وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ) آل عمران : 103 .
|