تأسيس الدولة الإسلامية

 

 لم تكن هجرة المسلمين من مكة إلى يثرب بحثا عن الملاذ الآمن والحياة الهانئة والاستقرار الخالد ، بقدر ما كانت إعداد عدة لبدء مرحلة أخرى ، أشد ضراوة وأقوى مراس ، من أجل تأسيس دولة الإسلام وتبليغ دعوة الحق قال تعالى ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) التوبة : 33 .

وبعد أن استقر المهاجرون في يثرب قام الرسول صلى الله عليه وسلم بتنظيم شأن الدولة الفتية فأرسى قواعدها وبنى المسجد لإقامة الصلاة والتفقه في الدين ولاجتماع المسلمين فيه لتوحيد صفوفهم وتأليف قلوبهم ، وسن نظام المؤاخاة القائم على أخوة الدين والمصير بين المهاجرين والأنصار قال تعالى :   (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) الأنفال : 63 .

وروى مسلم في صحيحه عن زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إنها طيبة يعني المدينة " وعن جابر بن سمرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله تعالى سمى المدينة طابة " فبذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن تسميتها يثرب لما فيه من التوبيخ والملامة وأقر تسميتها بالمدينة فعرفت بذلك ، ثم أحدث عليه السلام دستور المدينة والذي نظم فيه عليه الصلاة والسلام علاقة المسلمين بمشركي المدينة ويهودها وحقق تطلعات وآمال مجتمع المدينة وفق ضوابط وأسس العدل الإلهي .

ثم اقتضت حكمة الله تعالى بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة بمكة المكرمة قال تعالى (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) البقرة : 144 .

فبذلك يكون المسلمون قد حازوا شرف الصلاة نحو بيت المقدس قبل الهجرة المباركة ، ثم استجابة لأمر الله تعالى حولوا قبلتهم نحو الكعبة المشرفة أقدم القبلتين التي كانت مثابة للناس وأمنا ، وليصبحوا بعد ذلك أهل القبلتين شرفا وتكريما لهم . 

 

عــودة